اسماعيل بن محمد القونوي
375
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
كما دلت على أن استحقاقه العبادة بالنظر في صنعه تدل أيضا على أن الطريق إلى معرفة اللّه تعالى والعلم بوحدانيته بالنظر في صنعه فدلالة الآية الكريمة على أن الاستحقاق المذكور بطريق الإشارة ودلالتها على أن الطريق المزبور بذلك باقتضاء النص . قوله : ( على أن الطريق ) تعريفه باللام للإشارة إلى أن الطريق الذي يستحق أن يسمى طريقا هو هذا الطريق بناء على أن اللام للجنس فيقيد حصر المسند إليه على المسند إذ طريق معرفة اللّه تعالى لا يكون الشرع لتوقف الشرع عليه وكذا الاستحقاق المذكور إذ نفس العبادة ووجوبها مستفادة من الشرع وأما استحقاقه تعالى إياها فيعرف بالنظر والاستدلال فلا حاجة إلى جعل الحصر ادعائيا إلا أن يعمم الطريق إلى تلك المعرفة إلى الطريق إلى نفس تلك المعرفة وإلى اعتدادها ( إلى معرفة اللّه تعالى والعلم بوحدانيته واستحقاقه للعبادة ) . قوله : ( بالنظر في صنعه والاستدلال بأفعاله ) أي مصنوعاته من الآيات في الآفاق وفي الأنفس بأنها محدثات مخترعة في الأسلوب البديع وغاية الاتقان فلا بد له من موجد واجب لئلا يلزم الدور أو التسلسل وقد عرفت أن علة الاحتياج الحدوث أو الإمكان مع الحدوث أو الإمكان بشرط الحدوث والمصنوعات هي مفتقرة إلى الموجد بالنظر إلى حدوثها وإمكانها كما مر التفصيل في تفسير قوله تعالى : أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [ البقرة : 106 ] ومنها ما هو الآيات الأنفسية المشار إليها بقوله : الَّذِي خَلَقَكُمْ [ البقرة : 21 ] وهي المتضمنة للجواهر والاعراض قدمها لأن أقرب الأشياء إلى المكلف نفسه وعلمه بأحوال نفسه أظهر من علمه بأحوال غيره ولما كان المقصود من الاستدلال إفادة العلم كان كلما هو أظهر دلالة أقوى إفادة ثم ذكر بخلق أصولهم لأنهم أقرب إليهم ثم ذكر الأرض لأنها أقرب إلى الحس أظهر عنده من السماء وعكس في مثل قوله تعالى : إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ البقرة : 164 ] لعلوها وشرفها واشتمالها على عظم آيات يتحير منها الواقفون ويستغرق فيها الناظرون ولكل وجهة ثم ذكر نزول الماء وخروج الثمار بسببه لأن ذلك كالأثر المتولد من السماء والأرض وإنما اكتفى هنا بالأمور الحسية لأن المقام مقام تعداد النعم وهي أدل عليها والاستدلال بهذه الأمور الممكنة على وجود الإله ووحدته سيأتي مفصلا من المص في قوله تعالى : إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ البقرة : 164 ] الآية من هذه السورة الكريمة وأما الاستحقاق فمن تعليق الحكم بالوصف المشتق المشعر بالعلية التي لا تعرف إلا بالنظر في الآيات والمصنوعات . قوله : ( وأن العبد لا يستحق ) في هذا التعبير لطافة نباهة يعرفها من له دراية ( بعبادته قوله : وأن العبد لا يستحق بعبادته عليه ثوابا أي في الدار الآخرة إنما أمر بها لأجل النعم السابقة شكرا لها فإن ترتيب الحكم على الوصف المناسب يشعر بالعلية فالثواب في دار الجزاء إنما هو محض فضل اللّه تعالى لا في مقابلة عمل بل بمقتضى وعده بالمزيد لمن شكر بالعتيد قال صاحب الكشاف فإن قلت فهلا قيل تعبدون لأجل اعبدوا واتقوا إمكان تتقون ليتجاوب طرفا النظم قلت ليست التقوى غير العبادة حتى يؤدي ذلك إلى تنافر النظم وإنما التقوى قصارى أمر العابد